شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
الزعيم الذي رحل منذ ستة عقود وما زال يُعلّم أجيالًا لم تره
هناك رجال يرحلون فتطويهم صفحات التاريخ، وهناك رجال يتحولون بعد رحيلهم إلى جزء من ذاكرة الأمم ووجدانها. وفي مقدمة هؤلاء يقف مصطفى النحاس باشا، الزعيم الوطني الذي تمر اليوم الذكرى الـ147 لميلاده، بينما لا يزال اسمه حاضرًا في النقاش السياسي والفكري المصري، وكأنه يغادرنا بالأمس.
فبعد أكثر من ستين عامًا على رحيله، ما زال النحاس يمثل لدى كثيرين نموذجًا للسياسي الذي جمع بين الوطنية والدستور والحرية، وبين الواقعية السياسية والتمسك بالمبادئ، في مرحلة كانت مصر خلالها تصوغ ملامح دولتها الحديثة وتخوض معارك الاستقلال والسيادة.
من سمنود إلى قيادة الأمة
وُلد مصطفى النحاس في 15 يونيو 1879 بمدينة سمنود بمحافظة الغربية، في أسرة مصرية بسيطة، ولم يكن شيء في بدايات حياته يوحي بأنه سيصبح يومًا أحد أبرز قادة الحركة الوطنية المصرية.
درس الحقوق، وعمل في سلك القضاء، لكن أحداث مصر المتسارعة في مطلع القرن العشرين، وصعود الحركة الوطنية بقيادة سعد زغلول، دفعت به إلى طريق مختلف تمامًا. ومع اندلاع ثورة 1919، برز النحاس كأحد أبرز رجال الوفد وقادة النضال الوطني ضد الاحتلال البريطاني.
ومع رحيل سعد زغلول عام 1927، انتقلت إليه مسؤولية قيادة حزب الوفد والحركة الوطنية، في واحدة من أصعب اللحظات السياسية في تاريخ مصر الحديث.
زعيم لم يكن ظلًا لأحد
كثيرون ظنوا أن مصطفى النحاس سيبقى مجرد امتداد لسعد زغلول، لكنه سرعان ما أثبت أنه يمتلك شخصيته المستقلة ورؤيته الخاصة.
لم يحاول أن يكون نسخة من أستاذه، بل كتب فصله الخاص في التاريخ المصري، وقاد حزب الوفد لأكثر من ربع قرن، وتولى رئاسة الحكومة سبع مرات، وخاض معارك سياسية ودستورية حاسمة شكلت جزءًا مهمًا من تاريخ مصر الحديث.
درس سياسي لا يشيخ
من أبرز المحطات في حياة النحاس توقيعه على معاهدة 1936 مع بريطانيا، وهي المعاهدة التي اعتبرها في ذلك الوقت خطوة نحو الاستقلال التدريجي واستعادة السيادة الوطنية.
لكن اللافت أن الرجل نفسه عاد بعد سنوات ليعلن إلغاء المعاهدة عندما رأى أن الظروف تغيرت وأن المصلحة الوطنية تقتضي موقفًا جديدًا.
وهنا يكمن أحد أهم الدروس السياسية التي تركها مصطفى النحاس للأجيال: أن مراجعة المواقف ليست ضعفًا، وأن تصحيح المسار ليس هزيمة، وأن الوطنية الحقيقية لا تعني التمسك بالقرارات القديمة مهما تغيرت الظروف، بل التمسك بالمصلحة الوطنية مهما تغيرت الوسائل.
لقد وقع المعاهدة باسم مصر، ثم ألغى المعاهدة باسم مصر، وظل في الحالتين وفيًا للفكرة ذاتها: استقلال الوطن وكرامته.
بين الحرية والدستور
لم يكن النحاس مجرد سياسي يبحث عن السلطة، بل كان مؤمنًا إيمانًا عميقًا بالدستور والحياة النيابية وحق الشعب في اختيار من يحكمه.
آمن بأن الأمة أكبر من الحاكم، وأن المؤسسات أقوى من الأفراد، وأن الدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم إلا على سيادة القانون واحترام الإرادة الشعبية.
ولهذا ظل اسمه مرتبطًا بالدفاع عن الديمقراطية البرلمانية، حتى في أكثر اللحظات السياسية تعقيدًا وصعوبة.
مؤسس لفكرة الدولة الوطنية
لم تقتصر رؤية النحاس على الشأن المصري الداخلي فقط، بل امتدت إلى محيطه العربي، حيث كان من المساهمين في تأسيس جامعة الدول العربية، انطلاقًا من قناعته بأن قوة مصر لا تنفصل عن قوة محيطها العربي.
وكان يرى أن الدور الإقليمي لمصر ليس ترفًا سياسيًا، بل جزءًا من رسالتها التاريخية ومكانتها الطبيعية.
بعد يوليو 1952
بعد قيام ثورة يوليو، كان بإمكان مصطفى النحاس أن يختار الصمت أو المساومة أو البحث عن مكان داخل النظام الجديد، لكنه فضل البقاء وفيًا لقناعاته السياسية حتى النهاية.
دفع ثمن ذلك من حريته وراحته، لكنه خرج من التجربة محتفظًا باحترام قطاع واسع من المصريين الذين رأوا فيه نموذجًا للسياسي الذي يتمسك بمبادئه حتى عندما تتغير موازين القوة.
جنازة تحولت إلى استفتاء شعبي
عندما رحل مصطفى النحاس في 23 أغسطس 1965، خرجت جماهير غفيرة لتودعه في مشهد استثنائي اعتبره كثير من المؤرخين استفتاءً شعبيًا على مكانة الرجل في قلوب المصريين.
لم تكن مصر تودع رئيس وزراء سابقًا فحسب، بل كانت تودع أحد أبرز رموز عصر كامل من النضال الوطني والحياة الدستورية.
لماذا لا يزال حاضرًا؟
ربما لأن مصطفى النحاس لم يكن مجرد اسم في كتاب تاريخ، بل فكرة وقيمة وتجربة سياسية وإنسانية متكاملة.
كان يؤمن بأن الحرية ليست شعارًا، وأن الوطنية ليست مزايدة، وأن السياسة ليست صراعًا على السلطة بقدر ما هي خدمة للوطن.
ولهذا بقي حاضرًا في ذاكرة المصريين بعد أكثر من ستة عقود على رحيله، وبقيت سيرته مصدر إلهام لأجيال لم تعاصره ولم تسمع صوته، لكنها ما زالت تجد في تجربته دروسًا تستحق التأمل.
بعد 147 عامًا على ميلاده، لا يبدو مصطفى النحاس مجرد شخصية تاريخية من الماضي، بل أحد الوجوه النادرة التي استطاعت أن تتجاوز حدود الزمن، لتبقى جزءًا من الضمير الوطني المصري.
🔹 شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.
الكاتب : رمضان إسماعيل
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار