شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
لم تعد السيارات الصينية مجرد منتجات رخيصة تبحث عن موطئ قدم في الأسواق العالمية، بل تحولت خلال سنوات قليلة إلى قوة صناعية وتكنولوجية تهدد قلب الصناعة الأوروبية، خصوصًا في ألمانيا، حيث تمثل شركات فولكسفاغن ومرسيدس وBMW أحد أعمدة الاقتصاد الوطني والتشغيل والصادرات.
المشهد لم يعد يتعلق بمنافسة تجارية عادية، بل بصراع عالمي على مستقبل صناعة السيارات الكهربائية، وسلاسل البطاريات، والبرمجيات، وأسواق التصدير. الصين التي كانت قبل عقدين تُتهم بتقليد النماذج الغربية، أصبحت اليوم تمتلك شركات قادرة على منافسة أوروبا داخل بيتها، وبأسعار أقل وتقنيات أسرع وتوسع دولي أكثر جرأة.
صعود صيني غير مسبوق
تقود شركة BYD الصينية هذا التحول بقوة. فقد أصبحت في عام 2025 أكبر بائع للسيارات الكهربائية الخالصة في العالم، بعدما باعت نحو 2.26 مليون سيارة كهربائية بالكامل، فيما تجاوزت مبيعاتها من سيارات الطاقة الجديدة، التي تشمل الكهربائية والهجينة القابلة للشحن، 4.6 مليون سيارة.
ولا تتوقف خطورة BYD عند حجم المبيعات فقط، بل في نموذجها الصناعي المتكامل؛ فهي لا تكتفي بتجميع السيارات، بل تنتج البطاريات وأجزاء رئيسية من سلاسل الإمداد، ما يمنحها قدرة كبيرة على التحكم في التكلفة وخفض الأسعار، وهي نقطة ضعف واضحة لدى كثير من الشركات الأوروبية التي تعتمد على موردين خارجيين.
أما Geely، المالكة لعلامات دولية ومؤثرة، فقد أعلنت أن مبيعاتها في 2025 تجاوزت 3.02 مليون سيارة، بينها نحو 1.24 مليون سيارة من فئة الطاقة الجديدة، بزيادة سنوية كبيرة بلغت نحو 150% في هذا القطاع. وهذا يعني أن الشركة لم تعد لاعبًا محليًا، بل أصبحت منصة صينية عالمية تجمع بين الإنتاج الكثيف والتوسع عبر علامات متعددة.
وتأتي Chery كأحد أخطر اللاعبين في ملف التصدير، إذ باعت في 2025 نحو 2.81 مليون سيارة، وحققت صادرات قياسية بلغت حوالي 1.34 مليون سيارة، محافظة على موقعها كأكبر مصدر صيني لسيارات الركاب لسنوات طويلة. كما قفزت مبيعاتها من سيارات الطاقة الجديدة إلى أكثر من 903 آلاف سيارة، بزيادة تقارب 55%.
أوروبا ترد بالرسوم الجمركية
أمام هذا التوسع، قرر الاتحاد الأوروبي فرض رسوم تعويضية على السيارات الكهربائية المصنعة في الصين، بعد تحقيقات قالت بروكسل إنها أثبتت وجود دعم حكومي صيني يخل بالمنافسة العادلة.
وبموجب القرار الأوروبي، فُرضت رسوم إضافية لمدة خمس سنوات على السيارات الكهربائية الصينية، شملت 17% على BYD، و18.8% على Geely، و35.3% على SAIC، إضافة إلى الرسوم الجمركية الأساسية البالغة 10% على واردات السيارات.
لكن السؤال الجوهري: هل تكفي الرسوم وحدها لحماية الصناعة الأوروبية؟
الإجابة تبدو معقدة. فالشركات الصينية بدأت بالفعل التفكير بمنطق الالتفاف الذكي على الحواجز الجمركية، من خلال بناء مصانع داخل أوروبا أو قربها. BYD مثلًا تتجه إلى الإنتاج في المجر، وهو ما يعني أن السيارة الصينية قد تحمل قريبًا صفة “صنع في أوروبا”، فتدخل السوق الأوروبية من الباب الصناعي لا من بوابة الاستيراد فقط.
فولكسفاغن.. العملاق الألماني تحت الضغط
فولكسفاغن، أكبر مجموعة سيارات أوروبية، تجد نفسها في قلب العاصفة. فقد باعت المجموعة نحو 9 ملايين سيارة في 2025، لكن أرباحها التشغيلية تراجعت بصورة حادة، إذ بلغ الربح التشغيلي نحو 8.9 مليار يورو، بانخفاض كبير مقارنة بالعام السابق، مع هامش تشغيلي ضعيف عند حدود 2.8%.
هذا التراجع لا يمكن فصله عن الأزمة في الصين، التي كانت لعقود سوقًا ذهبية لفولكسفاغن. فالشركات الصينية المحلية أصبحت أكثر قدرة على جذب المستهلك الصيني، خصوصًا في السيارات الكهربائية والذكية، بينما تعاني فولكسفاغن من بطء التحول مقارنة بالمنافسين الجدد.
الأخطر أن فولكسفاغن لا تواجه الصين في السوق الصينية فقط، بل أصبحت تواجهها داخل أوروبا نفسها، حيث تدخل السيارات الصينية بأسعار مغرية وتكنولوجيا مقنعة، وتضغط على الحصة السوقية للشركات التقليدية.
مرسيدس.. فخ الفخامة أمام السيارة الذكية
مرسيدس بنز باعت في 2025 نحو 2.16 مليون سيارة وفان حول العالم، لكنها تواجه تحديًا خاصًا في الصين، حيث تراجعت مبيعاتها بشكل ملحوظ وسط منافسة شرسة من علامات محلية تقدم سيارات كهربائية فاخرة أو شبه فاخرة بتقنيات رقمية متقدمة وأسعار أقل.
المعضلة التي تواجه مرسيدس أن صورتها التاريخية كرمز للفخامة لم تعد وحدها كافية في سوق مثل الصين، حيث يبحث المستهلك الجديد عن شاشة أذكى، وبرمجيات أسرع، وتجربة قيادة كهربائية متكاملة، وليس فقط عن شعار فاخر على مقدمة السيارة.
ولهذا بدأت مرسيدس الحديث عن هجوم جديد في الصين عبر نماذج كهربائية وتقنيات محلية وشراكات في البرمجيات، لكنها تتحرك في سوق أصبح فيه المنافس الصيني أسرع وأكثر قربًا من ذوق المستهلك المحلي.
BMW.. بين قوة العلامة وتراجع الصين
BMW لا تزال قوية عالميًا، إذ باعت في 2025 أكثر من 2.46 مليون سيارة من علامات BMW وMINI وRolls-Royce، لكن السوق الصينية لم تعد سهلة كما كانت. فقد تجاوزت مبيعاتها في الصين 625 ألف سيارة في 2025، وسط مؤشرات على تراجع مقارنة بسنوات سابقة وضغط متزايد من المنافسين المحليين.
وتراهن BMW على جيلها الكهربائي الجديد Neue Klasse وعلى الإنتاج المحلي في الصين وأوروبا، لكنها تواجه السؤال نفسه: هل تستطيع الشركات الألمانية مجاراة السرعة الصينية في البطاريات والبرمجيات والسعر؟
السيارة لم تعد محركًا وعجلات
التحول الكبير في الصناعة أن السيارة لم تعد مجرد محرك وشاسيه وفخامة داخلية. السيارة الحديثة أصبحت منصة رقمية متحركة، تعتمد على البطارية، ونظام التشغيل، والذكاء الاصطناعي، والتحديثات البرمجية، وسرعة الشحن، وسلاسل توريد المعادن النادرة.
وهنا تظهر نقطة تفوق الصين. فهي لا تنافس فقط في السيارة النهائية، بل تسيطر على أجزاء واسعة من سلسلة القيمة: البطاريات، المواد الخام، التصنيع الكثيف، الدعم الحكومي، وسرعة إطلاق النماذج الجديدة.
في المقابل، تبدو أوروبا أبطأ في اتخاذ القرار، وأكثر كلفة في الإنتاج، وأثقل في البيروقراطية، وأكثر حساسية تجاه أسعار الطاقة والعمالة.
خطر على الوظائف والمصانع
تأثير المنافسة الصينية لا يقتصر على أرباح الشركات، بل يمتد إلى ملايين الوظائف. صناعة السيارات في ألمانيا والنمسا ودول أوروبا الوسطى ليست قطاعًا عاديًا، بل شبكة ضخمة من المصانع والموردين والعمال والمهندسين وشركات الخدمات اللوجستية.
أي تراجع في إنتاج فولكسفاغن أو مرسيدس أو BMW سينعكس على موردي قطع الغيار، ومصانع البطاريات، وشركات المعادن، ومراكز البحث، وحتى المدن الصناعية التي بُني اقتصادها حول السيارات.
ولهذا تخشى أوروبا أن يتحول ملف السيارات الصينية إلى نسخة جديدة من أزمة الألواح الشمسية، حين خسرت القارة جزءًا كبيرًا من صناعتها لصالح المنتج الصيني الأرخص والأسرع.
الصين لا تبيع سيارات فقط.. بل تبيع نموذجًا صناعيًا
الرسالة الأعمق أن الصين لم تعد تبيع سيارة فقط، بل تقدم نموذجًا اقتصاديًا كاملًا: إنتاج ضخم، دعم استراتيجي، سرعة ابتكار، توسع خارجي، وأسعار تكسر المنافسين.
أما أوروبا فتجد نفسها أمام معادلة صعبة: إذا فتحت السوق بلا قيود، فقد تخسر صناعتها التاريخية. وإذا أغلقت السوق بالرسوم، فقد ترفع الأسعار على المستهلك وتؤخر التحول الأخضر.
بين الحماية والمنافسة
المطلوب أوروبيًا ليس مجرد فرض رسوم، بل بناء استراتيجية صناعية حقيقية تشمل دعم البطاريات، وتخفيض تكاليف الطاقة، وتسريع الابتكار، وتسهيل الاستثمار، وحماية الوظائف دون قتل المنافسة.
فالصين لن تختفي من السوق الأوروبية، بل ستزداد حضورًا. والسؤال لم يعد: هل تدخل السيارات الصينية أوروبا؟ بل: بأي حجم؟ وبأي سرعة؟ وعلى حساب من؟
خلاصة
المعركة بين الصين وأوروبا في صناعة السيارات هي معركة على مستقبل الاقتصاد الصناعي العالمي. BYD وGeely وChery تمثل جيلًا جديدًا من الشركات الصينية التي لم تعد تقبل بدور التابع أو المصنع الرخيص، بل تسعى لقيادة السوق.
أما فولكسفاغن ومرسيدس وBMW، فهي أمام اختبار تاريخي: إما أن تتحول بسرعة إلى شركات كهربائية رقمية قادرة على المنافسة، أو تجد نفسها محاصرة بين ماضٍ صناعي عظيم ومستقبل تصنعه الصين بسرعة مذهلة.
ما يحدث اليوم ليس مجرد غزو تجاري صيني للأسواق الأوروبية، بل زلزال صناعي قد يعيد رسم خريطة السيارات في العالم من جديد.
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار