الإثنين , 1 يونيو 2026

من «هنا القاهرة» إلى ذاكرة أمة كاملة.. كيف صنعت الإذاعة المصرية وجدان الملايين؟

شبكة رمضان الإخبارية – فيينا

في مثل هذا اليوم، 31 مايو، تستعيد مصر واحدة من أهم المحطات في تاريخها الثقافي والإعلامي، وهي ذكرى انطلاق الإذاعة المصرية الرسمية عام 1934، ذلك الحدث الذي لم يكن مجرد تدشين وسيلة إعلام جديدة، بل كان بداية عصر كامل تشكلت فيه ذاكرة المصريين ووجدانهم الجمعي عبر الأثير.

في تمام الساعة الخامسة والنصف مساء يوم 31 مايو 1934 انطلق أول بث للإذاعة المصرية بعبارة أصبحت جزءًا من التاريخ: «هنا القاهرة». وبعدها مباشرة صدح صوت القارئ العظيم الشيخ محمد رفعت متلوًا الآية الكريمة: «إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا»، ليصبح أول صوت يصدح عبر أثير الإذاعة المصرية، في لحظة لا تزال حاضرة في ذاكرة الوطن حتى اليوم.

وعلى مدار أكثر من ربع قرن، ظلت الإذاعة المصرية المنبر الإعلامي الوحيد الذي ينقل أخبار الدولة إلى المواطنين، ويشكل وعيهم السياسي والثقافي والاجتماعي، حتى جاء يوم 21 يوليو 1960 عندما انطلق البث التلفزيوني لأول مرة في مصر، ليدخل الإعلام المصري مرحلة جديدة.

لكن رغم سحر الصورة وجاذبية الشاشة، لم تفقد الإذاعة مكانتها في قلوب المصريين. بل ربما ازدادت ارتباطًا بالناس لأنها كانت أكثر من مجرد وسيلة إعلام؛ كانت رفيقًا يوميًا يدخل البيوت دون استئذان، ويصاحب الفلاح في حقله، والعامل في مصنعه، ورب الأسرة في منزله.

جيل كامل تربى على أصوات المذيعين والمذيعات الذين تحولوا إلى أفراد من العائلة المصرية. كانت ساعات الصباح تبدأ مع البرامج الخفيفة والثقافية التي تمنح المستمع جرعة من المعرفة والأمل قبل بدء يومه، فيما كانت فترات الظهيرة والمساء تحمل مزيجًا من الثقافة والفن والدراما والإرشاد الاجتماعي.

ومن بين البرامج التي صنعت وجدان أجيال كاملة، بقيت أسماء مثل «قطرات الندى» و«كلمتين وبس» بصوت الفنان الكبير فؤاد المهندس، و«ربات البيوت»، و«همسة عتاب»، و«زيارة لمكتبة فلان»، و«شاهد على العصر»، وبرامج الأطفال التي ارتبطت باسم أبلة فضيلة، إضافة إلى البرنامج الشهير «على الناصية» الذي ارتبط بصوت الإعلامية الراحلة آمال فهمي.

لم تكن تلك البرامج مجرد فقرات إذاعية عابرة، بل كانت مدارس حقيقية في الثقافة واللغة والخيال. فمن خلالها تعرف ملايين المصريين على الأدب والفكر والفنون، وتعلموا الاستماع والحوار، واكتسبوا ذوقًا عامًا ساهم في تشكيل الشخصية المصرية لعقود طويلة.

تميزت الإذاعة أيضًا بقدرتها الفريدة على إطلاق العنان لخيال المستمع. فغياب الصورة لم يكن نقطة ضعف، بل كان مصدر قوة جعل كل مستمع يرسم عالمه الخاص داخل عقله، وهو ما منح الدراما الإذاعية والبرامج الثقافية تأثيرًا عميقًا يصعب أن تحققه الصورة الجاهزة.

ورغم الثورة الرقمية وانتشار الفضائيات ومنصات التواصل الاجتماعي، ما زالت الإذاعة تحتفظ بسحرها الخاص. فما إن ينطلق صوت مألوف من جهاز راديو قديم أو من تطبيق حديث على الهاتف المحمول، حتى تعود الذكريات وتتدفق صور الماضي الجميل، حيث كانت الكلمة هي البطل، وكان الصوت وحده قادرًا على أن يصنع الدهشة.

في ذكرى تأسيس الإذاعة المصرية، لا نحتفل فقط بوسيلة إعلامية عريقة، بل نستحضر زمنًا كاملًا من الجمال والثقافة والوعي. زمنًا كانت فيه البرامج تصنع المعرفة، وكانت الأصوات تصنع الوجدان، وكانت عبارة «هنا القاهرة» تعني لملايين المصريين أن الوطن يتحدث إليهم.

🔹 شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.

تحقق أيضًا

عاصفة سياسية في النمسا.. حزب الحرية يطالب بسحب الاعتراف الرسمي من الهيئة الإسلامية بسبب الحجاب

شبكة رمضان الإخبارية – فيينا تشهد الساحة السياسية النمساوية موجة جديدة من الجدل حول قضايا …

error: Content is protected !!