شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
في عالم السياسة، قد تمنح القوة صاحبها القدرة على التهديد، لكنها لا تمنحه بالضرورة القدرة على الفهم. وهذه ربما تكون المشكلة الأعمق في شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يتعامل مع الدول والشعوب بعقلية رجل يعتقد أن النفوذ الأمريكي ما زال كافيًا لإخضاع الجميع، وأن مجرد التلويح بالعقوبات أو الضغوط كفيل بتغيير مواقف الدول وإرغامها على الانصياع.
لكن حين تصل لغة التهديد إلى سلطنة عُمان، فإن الأمر لا يتعلق بدولة صغيرة في الخليج يمكن التعامل معها بمنطق القوة المجردة، بل ببلد يمتلك تاريخًا ضاربًا في عمق الحضارة الإنسانية، ودورًا سياسيًا جعل منه على مدى عقود أحد أكثر الفاعلين اتزانًا وحكمة في المنطقة.
يبدو أن ترامب، كما كثير من الساسة الغارقين في وهم القوة، لا يدرك أن دول منطقتنا ليست كيانات طارئة على التاريخ، وليست تجمعات بشرية تشكلت بالأمس. فهذه المنطقة أنجبت حضارات ودولًا وإمبراطوريات حين لم تكن الولايات المتحدة نفسها قد وُجدت بعد، واحتفظت شعوبها بذاكرة تاريخية طويلة علمتها كيف تتعامل مع تقلبات القوة وصعود الإمبراطوريات وسقوطها.
لقد كشفت التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط عن حقيقة لم تعد خافية على أحد، وهي أن صورة الولايات المتحدة باعتبارها القوة التي لا تُهزم أو الحليف القادر دائمًا على الحماية لم تعد كما كانت في العقود الماضية. فالحروب والأزمات المتلاحقة أظهرت حدود القوة الأمريكية، وأثارت تساؤلات عميقة حول مدى قدرتها على فرض إرادتها أو حتى حماية مصالحها وحلفائها بالصورة التي كانت تدعيها.
ولهذا فإن نظرة كثير من دول الخليج إلى واشنطن لم تعد قائمة على المسلمات القديمة. فالدول التي كانت ترى في الولايات المتحدة مظلة أمنية مطلقة باتت أكثر واقعية في تقييم موازين القوى، وأكثر حرصًا على تنويع شراكاتها الدولية، وأكثر استقلالية في قراراتها السياسية.
المشكلة أن ترامب لا يزال يتحدث وكأن العالم لم يتغير، وكأن الشعوب والدول ستستجيب للغة التهديد بالطريقة نفسها التي كانت تستجيب بها قبل عقود. وهو في ذلك يتجاهل حقيقة تاريخية بسيطة؛ أن الشعوب صاحبة الحضارات العريقة تمتلك قدرة استثنائية على امتصاص صدمات القوة والتكيف معها حتى تفقد تلك القوة تأثيرها.
لقد مر على منطقتنا غزاة وإمبراطوريات وجيوش اعتقدت أنها ستبقى إلى الأبد. مر الفرس والرومان والمغول والاستعمار الأوروبي الحديث، ثم رحل الجميع أو تراجع نفوذهم، بينما بقيت الشعوب في أرضها تحتفظ بلغتها وثقافتها وهويتها وذاكرتها التاريخية.
هذه هي المعادلة التي لا يفهمها أصحاب الغطرسة السياسية. فالقوة العسكرية تستطيع أن تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع أن تمحو التاريخ، ولا أن تكسر إرادة الشعوب التي تعرف من تكون.
ومن هنا تبدو التهديدات الموجهة إلى سلطنة عُمان أو غيرها من دول المنطقة تعبيرًا عن أزمة فهم أكثر من كونها تعبيرًا عن قوة حقيقية. فالدول التي بنت مكانتها على الحكمة والدبلوماسية والتوازن لا يمكن إخضاعها بمنطق الابتزاز السياسي، كما أن الشعوب التي تمتلك رصيدًا حضاريًا يمتد لآلاف السنين لا تنظر إلى صخب القوة الآنية بالرهبة التي يتخيلها أصحابها.
قد ينجح الأقوياء في فرض إرادتهم لبعض الوقت، وقد يحققون انتصارات عابرة، لكن التاريخ يخبرنا دائمًا أن الغطرسة السياسية كانت بداية سقوط كثير من الإمبراطوريات. أما الحضارات العريقة فتبقى، تراقب مرور العواصف، وتعتبرها مجرد فصل جديد في كتاب تاريخها الطويل.
🔹 شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار