الإثنين , 1 يونيو 2026

5 مليارات دولار من الهواء؟! القصة المسكوت عنها لتجارة ديون مصر في عهد مبارك.. عندما تحولت الأزمة إلى منجم ذهب للمقربين

شبكة رمضان الإخبارية – فيينا

في تاريخ الفساد الاقتصادي بمصر، برزت عشرات القضايا التي شغلت الرأي العام، لكن تبقى هناك ملفات ظلت حبيسة الأدراج ولم تحظ بالاهتمام الذي تستحقه، رغم أن آثارها امتدت لعقود وأثقلت كاهل الأجيال المتعاقبة. ومن بين هذه الملفات تبرز قضية الاتجار في ديون مصر الخارجية خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وهي القضية التي وصفها بعض المطلعين بأنها واحدة من أكبر عمليات نقل الثروة من خزينة الدولة إلى جيوب أفراد نافذين في النظام السابق.

القصة بدأت في منتصف الثمانينيات عندما واجهت مصر أزمة اقتصادية حادة، تراجعت خلالها موارد النقد الأجنبي نتيجة انخفاض عائدات السياحة وقناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج. ومع تزايد الالتزامات الخارجية، أصبحت الدولة عاجزة عن الوفاء بجزء كبير من الديون والكمبيالات المستحقة عليها.

في مثل هذه الظروف، كان من الطبيعي أن يفقد الدائنون الأجانب الأمل في تحصيل مستحقاتهم كاملة، فبدأوا في بيع تلك الديون في الأسواق المالية العالمية بأسعار منخفضة للغاية، وصلت في بعض الحالات إلى 10 أو 15 بالمائة فقط من قيمتها الأصلية.

وهنا ظهرت الفرصة الذهبية.

فبدلاً من أن تستفيد الدولة المصرية نفسها من هذه الأوضاع عبر إعادة شراء ديونها المخفضة وإنهاء جزء كبير من أزمتها المالية بأقل تكلفة ممكنة، تشير شهادات مصرفيين ومسؤولين سابقين إلى أن أفراداً نافذين ورجال أعمال ومسؤولين مقربين من دوائر الحكم دخلوا على الخط، وبدأوا شراء هذه الديون لحساباتهم الخاصة عبر وسطاء وشركات بالخارج.

وبحسب تلك الشهادات، كان المشترون يحصلون على الكمبيالات والديون المصرية بأسعار زهيدة، ثم يعودون لتقديمها إلى الجهات المصرية المختصة لتحصيل قيمتها الكاملة أو شبه الكاملة، محققين أرباحاً هائلة دون أن يضيفوا أي قيمة اقتصادية حقيقية.

كيف تمت العملية؟

لفهم ما جرى يجب تبسيط الصورة.

لنفترض أن مستثمراً أجنبياً يمتلك كمبيالة على مصر بقيمة 100 مليون دولار. بسبب المخاوف من عدم السداد، يوافق هذا المستثمر على بيع الدين مقابل 15 مليون دولار فقط.

يقوم أحد النافذين بشراء هذه الكمبيالة بهذا السعر المخفض، ثم يتوجه لاحقاً إلى الجهات المصرية المسؤولة عن السداد ويحصل على عشرات الملايين من الدولارات.

النتيجة النهائية أن الدولة تدفع مبالغ ضخمة كان يمكن توفير جزء كبير منها لو قامت هي بنفسها بإعادة شراء ديونها المخفضة، بينما يحقق الوسيط أو المشتري أرباحاً استثنائية دون تحمل أي مخاطر حقيقية.

شهادات تتهم أسماء كبيرة

أخطر ما في القضية ليس آلية التربح نفسها، بل الأسماء التي وردت في شهادات بعض المسؤولين السابقين.

فوفقاً لما أورده أحمد البسطامي حامد، عضو مجلس إدارة بنك الإسكندرية السابق، فإن عدداً من كبار المسؤولين ورجال الأعمال ارتبطت أسماؤهم بملف تجارة الديون، كما اتهم شخصيات مصرفية بارزة بتوفير المعلومات والتسهيلات اللازمة لشراء تلك الديون وإعادة بيعها أو تحصيلها.

وتضمنت شهادته اتهامات مباشرة لجمال مبارك، نجل الرئيس الأسبق حسني مبارك، باعتباره أحد أبرز المستفيدين من هذا النشاط خلال سنوات طويلة، مستنداً إلى ما قال إنها معلومات ووثائق قدمها للأجهزة الرقابية والأمنية في ذلك الوقت.

ويجب التأكيد هنا أن هذه الاتهامات ظلت في إطار شهادات واتهامات منشورة ومتداولة، ولم تصدر أحكام قضائية نهائية تثبت جميع ما ورد فيها أو تدين كافة الأسماء المذكورة.

لماذا اعتُبرت جريمة بحق الاقتصاد المصري؟

المنتقدون لهذه الممارسات يرون أن المشكلة لم تكن في شراء الديون بحد ذاته، فهذه عملية مالية معروفة عالمياً، وإنما في استغلال المعلومات السرية والنفوذ السياسي والإداري لتحقيق مكاسب خاصة على حساب الدولة.

فالمعلومات المتعلقة بحجم الديون ومواعيد استحقاقها والجهات المالكة لها كانت تعد من أسرار الدولة الاقتصادية، ولم تكن متاحة للعامة أو للمستثمرين العاديين.

وعندما تتحول هذه المعلومات إلى وسيلة لتحقيق أرباح شخصية، فإن الأمر يقترب من مفهوم استغلال النفوذ والتربح من المال العام.

كما يرى خبراء اقتصاديون أن المستفيد الحقيقي من خصومات الديون كان يجب أن يكون الخزانة العامة المصرية، لا الأفراد الذين استغلوا الأزمة لتحقيق ثروات ضخمة.

نادي باريس.. النهاية التي لم يرغب فيها البعض

مع بداية التسعينيات دخلت مصر في مفاوضات واسعة مع الدائنين الدوليين، انتهت باتفاقات إعادة جدولة الديون والحصول على إعفاءات وخصومات كبيرة عبر نادي باريس.

هذه التطورات أغلقت تدريجياً الباب أمام تجارة الديون التي ازدهرت خلال السنوات السابقة، لأن الدولة أصبحت قادرة على التفاوض المباشر مع الدائنين والحصول على تخفيضات رسمية بدلاً من ترك المجال للوسطاء والمضاربين.

ملف لم يُغلق حتى اليوم

بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود ما زالت قضية الاتجار في ديون مصر تثير جدلاً واسعاً بين الباحثين والاقتصاديين والمهتمين بتاريخ الفساد المالي في البلاد.

وبينما يرى البعض أنها تمثل نموذجاً صارخاً لكيفية استغلال الأزمات الوطنية لتحقيق ثروات شخصية، يؤكد آخرون أن الكثير من تفاصيل هذا الملف ما زالت تحتاج إلى مراجعة دقيقة وشفافة تستند إلى الوثائق الرسمية والسجلات المصرفية الكاملة.

لكن المؤكد أن أزمة الديون المصرية في تلك الحقبة لم تكن مجرد أزمة مالية، بل كانت أيضاً اختباراً لطبيعة العلاقة بين السلطة والثروة، وكيف يمكن لبعض النخب أن تحول معاناة دولة بأكملها إلى فرصة استثنائية للإثراء.

ويبقى السؤال الذي لم يجد المصريون إجابة حاسمة عنه حتى اليوم: كم خسرت الدولة فعلياً من وراء تجارة الديون؟ وكم ربح أصحاب النفوذ؟ ومن الذي استفاد من واحدة من أكثر القضايا غموضاً في تاريخ الاقتصاد المصري الحديث؟

🔹 شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.

تحقق أيضًا

عاصفة سياسية في النمسا.. حزب الحرية يطالب بسحب الاعتراف الرسمي من الهيئة الإسلامية بسبب الحجاب

شبكة رمضان الإخبارية – فيينا تشهد الساحة السياسية النمساوية موجة جديدة من الجدل حول قضايا …

error: Content is protected !!