فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
أثارت قصة طبيبة نمساوية مصابة بمرض التصلب المتعدد جدلًا واسعًا، بعدما كشفت أن مكتب العمل النمساوي «AMS» طلب منها توسيع نطاق بحثها عن وظيفة والتقدم لأعمال مساعدة، من بينها العمل في التنظيف، رغم مؤهلها الطبي والقيود الجسدية المرتبطة بمرضها المزمن.
وتحولت قصة أورسولا ك.، البالغة من العمر 55 عامًا والمقيمة في ولاية النمسا السفلى، إلى نموذج مؤلم للصراع بين القواعد البيروقراطية والظروف الإنسانية، وأعادت طرح أسئلة بشأن قدرة سوق العمل على استثمار مؤهلات أصحاب الأمراض المزمنة بدلًا من دفعهم نحو وظائف قد لا تتناسب مع حالتهم الصحية.
رحلة كفاح انتهت بشهادة الطب
شُخصت إصابة أورسولا بمرض التصلب المتعدد عام 2006، وبعد سنوات تعرضت لنوبة حادة صاحبها اضطراب في الرؤية ودوار، لكنها لم تستسلم للمرض، وواصلت دراستها حتى تمكنت من إنهاء دراسة الطب عام 2016.
وبعد التخرج، عملت في عدد من الوظائف المؤقتة، من بينها العمل في مجال التشريح، وفحص حالات كورونا، والمساعدة داخل المختبرات والمشاركة في أحد المشروعات، لكنها لم تتمكن من الحصول على وظيفة دائمة تلائم دراستها ووضعها الصحي.
ومنذ بداية عام 2024، أصبحت أورسولا عاطلة عن العمل، لتبدأ معركة جديدة لم تكن هذه المرة مع المرض، وإنما مع متطلبات البحث عن وظيفة وقواعد الحصول على إعانة الطوارئ.
«تقدمي للعمل بائعة أو عاملة نظافة»
وبحسب روايتها، أبلغها مكتب العمل بأنها، بسبب تصنيفها ضمن العاطلين عن العمل لفترة طويلة وحصولها على إعانة الطوارئ «Notstandshilfe»، مطالبة بالتقدم لوظائف لا ترتبط بمؤهلها الجامعي، من بينها العمل في أحد المتاجر أو في مجال التنظيف، وإلا فقد تواجه وقف الإعانة.
وقالت أورسولا إن مكتب العمل وجّهها كذلك إلى عمل داخل مشروع اجتماعي يتضمن أنشطة في البستنة والمطبخ والنجارة والتنظيف، لكنها رفضت بسبب عدم قدرتها الجسدية على أداء هذه المهام.
وعقب الرفض، أُوقفت إعانتها لمدة ستة أسابيع، وفق روايتها، لتجد نفسها مضطرة إلى العيش بمبلغ 120 يورو فقط حتى بداية أغسطس، بينما تواصل كتابة طلبات التوظيف والبحث عن فرصة مناسبة. صحيفة Heute النمساوية
رد مكتب العمل
من جانبه، أوضح مكتب العمل النمساوي أن الباحثين عن وظيفة يجري توجيههم في الأصل وفق مؤهلاتهم وخبراتهم ووضعهم الصحي، مشيرًا إلى وجود حماية مهنية خلال أول 100 يوم من الحصول على إعانة البطالة.
لكن هذه الحماية تسقط عند الانتقال إلى إعانة الطوارئ، وعندها يمكن قانونًا إحالة الشخص إلى وظائف في مختلف المجالات، بما فيها الأعمال المساعدة والوظائف التي لا تتطلب تدريبًا متخصصًا، سواء بدوام كامل أو جزئي، طالما اعتُبرت مناسبة وقابلة للأداء.
وأكد المكتب وجود برامج دعم خاصة لمساعدة المصابين بأمراض مزمنة أو ذوي الإعاقة على الاندماج في سوق العمل، إلا أن حالة أورسولا أثارت تساؤلات بشأن مدى مراعاة هذه البرامج للواقع الصحي والمهني لكل شخص.
ليست إهانة لمهنة التنظيف
ولا يتعلق الجدل بالتقليل من أهمية العاملين في التنظيف، فهي مهنة ضرورية ومحترمة وتتطلب جهدًا ومسؤولية، وإنما بمدى ملاءمة العمل المقترح لمريضة تعاني مرضًا قد يصاحبه الإرهاق وضعف العضلات ومشكلات الحركة والتوازن.
كما يتركز الانتقاد على إهدار مؤهل طبي نادر، في وقت يمكن فيه الاستفادة من خبرات أورسولا في مجالات لا تحتاج إلى جهد بدني شاق، مثل الإدارة الصحية، والتوثيق الطبي، والأبحاث، والعمل المخبري المناسب، والاستشارات أو المشروعات التوعوية.
نقص الكوادر وإهدار المؤهلات
وتسلط القضية الضوء على التناقض بين الحديث المتكرر عن الحاجة إلى العاملين في القطاع الصحي، وبين عجز النظام عن إيجاد وظيفة ملائمة لخريجة طب ترغب في العمل، لكنها تحتاج إلى ظروف تراعي مرضها.
فالاندماج الحقيقي في سوق العمل لا يعني وضع الجميع أمام القائمة نفسها من الوظائف، وإنما البحث عن موقع يستطيع فيه الإنسان تقديم أفضل ما لديه دون تعريض صحته للخطر.
وبين شهادة الطب وطلب التقدم لوظيفة تنظيف، تقف أورسولا اليوم أمام سؤال يتجاوز قصتها الشخصية: هل يهدف النظام إلى إعادة الإنسان إلى العمل بالفعل، أم إلى دفعه لقبول أي وظيفة حتى لو تجاهلت مؤهلاته وحدود قدرته الجسدية؟
شبكة رمضان الإخبارية منصة إعلامية عربية مستقلة تنطلق من فيينا، وتهتم بنقل أخبار النمسا وأوروبا إلى القارئ العربي بمهنية وموضوعية، مع التركيز على القضايا التي تمس حياة الجاليات العربية وتقديم المعلومة بأسلوب واضح وموثوق.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار