السبت , 18 يوليو 2026

بعد سنوات من اللجوء والاندماج.. النمسا تعيد فتح ملفات مئات السوريين الأرمن وتهدد بترحيلهم

فيينا – شبكة رمضان الإخبارية

يواجه مئات السوريين من أصول أرمنية في النمسا خطر سحب صفة اللجوء والترحيل إلى أرمينيا، بعدما أعاد المكتب الاتحادي لشؤون الأجانب واللجوء «BFA» فتح ملفات حصل أصحابها بموجبها على الحماية قبل سنوات، رغم استقرار كثير منهم وعملهم واندماج أسرهم في المجتمع النمساوي.

وأثارت القضية نقاشًا قانونيًا وإنسانيًا واسعًا، ليس فقط بسبب احتمال فقدان المتضررين حق الإقامة، وإنما أيضًا بسبب اتهام بعضهم بالحصول على اللجوء والمساعدات الاجتماعية عن طريق إخفاء جنسيتهم الأرمنية، وما قد يترتب على ذلك من مطالبات مالية وقضايا قانونية.

جواز أرميني للهروب من الحرب

تعود جذور القضية إلى سنوات الحرب السورية، عندما بحث عدد من المسيحيين السوريين من أصول أرمنية عن وسيلة آمنة لمغادرة البلاد، بعيدًا عن طرق التهريب الخطرة عبر البحر.

وبسبب أصولهم الأرمنية، حصل بعضهم على الجنسية وجواز السفر الأرميني، ما مكّنهم من السفر بتأشيرات نظامية والوصول إلى النمسا، قبل أن يتقدموا بطلبات لجوء استنادًا إلى المخاطر والاضطهاد اللذين واجهوهما في سوريا.

وبحسب شهادات نشرتها صحيفة «Der Standard»، وصل بعض هؤلاء إلى النمسا بالطائرة، وهو ما يعني أن بيانات جوازات سفرهم، بما فيها الجنسية الأرمنية، كان من المفترض أن تُنقل إلى السلطات قبل دخولهم البلاد.

كما يقول عدد من المتضررين إنهم لم يخفوا امتلاك الوثائق الأرمنية، وإن السلطات كانت على علم بها عند دراسة طلباتهم، لكنها منحتهم اللجوء بعدما أثبتوا أنهم قادمون من سوريا وأن حياتهم كانت مهددة هناك.

تغيير في موقف السلطات

بعد مرور ما يصل إلى عشر سنوات على بعض قرارات اللجوء، بدأ مكتب «BFA» منذ عام 2025 تقريبًا إعادة فحص عدد من هذه الملفات، على أساس أن أصحابها يحملون الجنسية الأرمنية ويمكنهم الحصول على الحماية في أرمينيا، التي تعتبرها السلطات دولة آمنة.

وتشير تقديرات من داخل الجالية الأرمنية إلى وجود ما يصل إلى 400 إجراء من هذا النوع، بينما أكد المكتب رسميًا أنه يفحص «عددًا كبيرًا من الحالات»، من دون إعلان رقم نهائي. وقال أحد المحامين إنه يتولى وحده الدفاع عن أكثر من 50 شخصًا يواجهون إجراءات مماثلة. صحيفة Der Standard

امرأة في الـ77 تواجه الترحيل

ومن أبرز الحالات التي فجّرت الجدل قصة امرأة سورية أرمنية تبلغ 77 عامًا، أطلقت عليها الصحيفة اسمًا مستعارًا هو «سيتا»، وصدر بحقها قرار نهائي بسحب الحماية وترحيلها إلى أرمينيا، رغم تأكيد عائلتها أنها أمضت حياتها السابقة في مدينة حلب ولم تعش يومًا في أرمينيا.

وتقول الأسرة إن المسنة لا تعرف البلاد ولا تملك فيها شبكة اجتماعية أو عائلية تساعدها، كما تحتاج إلى رعاية ابنتها التي تواجه بدورها، مع زوجها، إجراءات قد تنتهي بالترحيل.

ويرى حقوقيون أن امتلاك الجنسية الأرمنية يمنح السلطات أساسًا قانونيًا لفحص إمكانية توفير الحماية في الدولة الثانية، لكنهم يطالبون في الوقت نفسه بدراسة كل حالة بصورة منفردة، ومراعاة السن والصحة ومدة الإقامة والروابط العائلية ومستوى الاندماج في النمسا.

من لاجئين إلى مشتبه بهم بالاحتيال

لا تتوقف تداعيات إعادة فتح الملفات عند احتمال سحب اللجوء، إذ يواجه بعض المتضررين أيضًا شبهات بأنهم حصلوا على الحماية والمساعدات الاجتماعية عن طريق التضليل أو إخفاء الجنسية الثانية.

ويقول محامون إن المطالبات المحتملة باسترداد المساعدات قد تصل في بعض الحالات إلى مئات الآلاف من اليوروهات، وهو ما يهدد بتدمير حياة أسر بنت مستقبلها في النمسا استنادًا إلى قرارات رسمية صادرة عن السلطات نفسها.

وينتقد المتضررون تحميلهم وحدهم مسؤولية قرارات اتخذها مكتب اللجوء بعد فحص ملفاتهم، خصوصًا إذا كانت بيانات جوازاتهم الأرمنية متاحة أو جرى تقديمها أثناء الإجراءات.

رد مكتب اللجوء

وخلافًا لما ورد في النسخة الأولى من المعلومات المتداولة، نشرت الصحيفة لاحقًا ردًا رسميًا من مكتب «BFA». وأكد المكتب أنه يفحص في «حالات عديدة» ما إذا كانت الجنسية الأرمنية قد حُجبت أو أُخفيت عمدًا خلال إجراءات اللجوء، رغم دخول أصحاب الملفات إلى البلاد باستخدام وثائق أرمينية.

وأوضح المكتب أنه إذا ثبت وقوع تضليل، يصبح ملزمًا قانونًا بإعادة فتح الملف أو بدء إجراءات سحب الحماية، مشيرًا إلى أن القرارات قابلة للطعن أمام المحكمة الإدارية الاتحادية والمحاكم العليا.

وبذلك، لا تعني إعادة فتح الملف أن سحب اللجوء أو الترحيل قد أصبحا نهائيين في جميع الحالات؛ فالنتيجة تتوقف على وقائع كل ملف والأدلة المتاحة وقرارات جهات الطعن القضائي.

جدل حول حماية المسيحيين

وأثار الملف انتقادات سياسية وأخلاقية بسبب ما اعتبره كاتب مقال رأي تناقضًا بين دعوات مسؤولين نمساويين إلى حماية المسيحيين المضطهدين حول العالم، وبين إجراءات قد تنتهي بترحيل سوريين مسيحيين من أصول أرمنية بعد سنوات من إقامتهم في البلاد.

وأشار المقال إلى أن هؤلاء انتقلوا، في نظر الجهات الرسمية، من «مسيحيين مضطهدين» يستحقون الحماية إلى مشتبه بهم في الاحتيال الاجتماعي، رغم أن طريقة دخول عدد منهم ووثائق سفرهم كانت معروفة، بحسب رواياتهم، منذ البداية. ويظل هذا التوصيف رأيًا نقديًا لكاتبه وليس حكمًا قضائيًا أو موقفًا رسميًا. مقال الرأي في Der Standard

اختبار للقانون والثقة

تكشف القضية عن صدام معقد بين حق الدولة في مراجعة قرارات حصل عليها أشخاص عن طريق التضليل، إن ثبت ذلك، وبين مبدأ الاستقرار القانوني وحق الأفراد في الاعتماد على قرارات رسمية ظلت نافذة لسنوات طويلة.

فالجنسية الثانية قد تكون عنصرًا حاسمًا في تقييم طلب اللجوء، لكنها لا تلغي تلقائيًا ضرورة فحص الظروف الإنسانية والروابط الأسرية، ولا تعفي السلطات من توضيح سبب منح الحماية سابقًا إذا كانت الوثائق الأرمنية معلومة لديها بالفعل.

وبين نصوص القانون وواقع أسر عاشت سنوات في النمسا، ستحدد المحاكم ما إذا كانت الملفات شهدت تضليلًا متعمدًا، أم أن الدولة تحاول اليوم تحميل اللاجئين ثمن قرارات اتخذتها مؤسساتها بالأمس.

شبكة رمضان الإخبارية منصة إعلامية عربية مستقلة تنطلق من فيينا، وتهتم بنقل أخبار النمسا وأوروبا إلى القارئ العربي بمهنية وموضوعية، مع التركيز على القضايا التي تمس حياة الجاليات العربية وتقديم المعلومة بأسلوب واضح وموثوق.

تحقق أيضًا

سورى انتحل صفة ألباني ووعدها بتوصيلة آمنة.. رحلة قاصر من «شفيدن بلاتس» تنتهي بكابوس في لوباو

فيينا – شبكة رمضان الإخبارية تحولت محاولة فتاة تبلغ من العمر 16 عامًا للعودة إلى …

error: Content is protected !!