فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
لم يكن القفل الحديدي الذي وضعه الناشط المصري أنس حبيب على بوابة السفارة المصرية في لاهاي مجرد أداة للاحتجاج، بل تحول إلى اختبار سياسي وإعلامي كشف حجم الارتباك داخل مؤسسات يفترض أنها تمثل دولة كبيرة بحجم مصر.
بدأت القصة في يوليو 2025، عندما أغلق حبيب البوابة الخارجية للسفارة المصرية في هولندا، في خطوة احتجاجية رمزية قال إنها تستهدف تحميل القاهرة مسؤولية استمرار إغلاق معبر رفح وتشديد الحصار على قطاع غزة. وانتشرت المشاهد سريعًا، قبل أن تتكرر احتجاجات مشابهة أمام بعثات مصرية في دول أخرى.
وبصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع أسلوب الاحتجاج، فإن التعامل مع الواقعة كشف مفارقة صارخة: دولة تمتلك أجهزة أمنية ومؤسسات دبلوماسية ضخمة، لكنها تعاملت مع قفل وضعه شاب أعزل على بوابة سفارتها كأنه تهديد لهيبة الجمهورية بأكملها.
التسريب الذي أصبح أخطر من القفل
بعد الواقعة، انتشر تسجيل مصور منسوب إلى اجتماع جمع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بعدد من سفراء مصر في الخارج. وظهر الوزير، وفق المقطع المتداول، غاضبًا من طريقة التعامل مع احتجاجات السفارات، ومطالبًا باتخاذ إجراءات عنيفة ضد المتظاهرين، من بينها سحب المحتج إلى داخل مقر السفارة وتقييده ثم استدعاء شرطة الدولة المضيفة.
واستخدم الوزير خلال حديثه عبارات أثارت انتقادات واسعة، معتبرًا أن مشهد إغلاق السفارة جعل مصر تبدو وكأنها «دولة منتهكة ومغلوب على أمرها»، قبل أن تصدر عنه تعبيرات لا تتناسب، في نظر منتقديه، مع لغة مسؤول يتولى قيادة الدبلوماسية المصرية.
وقد تناولت وسائل إعلام عدة التسجيل باعتباره مقطعًا مسربًا من اجتماع للوزير مع السفراء، بينما لم يصدر توضيح رسمي مفصل يكشف كيفية تسجيله أو الجهة التي سربته. ولذلك لا يمكن الجزم فنيًا بأنه نتج عن «اختراق سيبراني»؛ فقد يكون تسجيلًا داخليًا أو تسريبًا من أحد المشاركين أو اختراقًا تقنيًا، وهي احتمالات لا تحسمها المادة المنشورة وحدها. التلفزيون العربي، الشرق الأوسط
لكن، مهما كانت طريقة خروجه إلى العلن، فإن تسريب اجتماع على هذا المستوى يمثل في حد ذاته واقعة خطيرة، تستوجب تحقيقًا مؤسسيًا لمعرفة كيفية تسجيله وتسريبه، ومدى الالتزام بإجراءات حماية الاتصالات والاجتماعات الدبلوماسية الحساسة.
أيهما يهدم هيبة الدولة؟
هنا تظهر المفارقة التي لا يستطيع الخطاب الرسمي الهروب منها: هل تهتز هيبة مصر لأن شابًا وضع قفلًا على بوابة سفارة؟ أم تهتز عندما يتحول اجتماع حساس لوزير الخارجية مع السفراء إلى مادة متداولة على مواقع التواصل؟
الدول الواثقة لا تقيس قوتها بعدد المتظاهرين الذين تستطيع تقييدهم، ولا تستعيد هيبتها بسحب محتج إلى داخل سفارة. هيبة الدولة تُبنى باحترام القانون، وصلابة المؤسسات، وكفاءة الدبلوماسية، وقدرتها على حماية أسرارها ومواجهة النقد من دون تهديد أو استعراض للقوة.
أما التعامل مع سفارات مصر وكأنها ساحات أمنية يمكن احتجاز المعارضين داخلها، فإنه يطرح أسئلة قانونية ودبلوماسية خطيرة. فمقار البعثات تتمتع بالحصانة، لكنها لا تتحول إلى أراضٍ منفصلة عن الدولة المضيفة، ولا تمنح موظفي السفارات حق اختطاف المتظاهرين أو الاعتداء عليهم بعيدًا عن قوانين تلك الدول.
النظام رأى القفل وتجاهل الرسالة
بدلًا من مناقشة السبب الذي دفع مصريين في الخارج إلى الاحتجاج أمام سفارات بلادهم، انشغل الخطاب الرسمي بكيفية ردعهم ومعاقبتهم. وبدلًا من احتواء الغضب المتعلق بغزة ومعبر رفح، جرى تحويل القضية إلى معركة حول «هيبة الدولة».
وهذه إحدى أزمات نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي: الخلط الدائم بين الدولة والنظام، وبين هيبة المؤسسات وصورة المسؤولين، وبين النقد السياسي والاعتداء على الوطن.
أنس حبيب لم يمتلك جيشًا ولا جهاز مخابرات، بل امتلك قفلًا وهاتفًا ورسالة سياسية. ومع ذلك، نجحت حركته في استدراج السلطة إلى رد فعل ضخم، ثم جاء التسجيل المتداول ليكشف أن المؤسسة التي أرادت الدفاع عن هيبتها كانت أشد ارتباكًا مما أرادت أن تبدو عليه.
هل تستطيع السلطة حماية مصر وقت الجد؟
لا يمكن مهنيًا الاستنتاج من تسريب اجتماع واحد أن مصر «لن تصمد ساعتين في حرب»، أو أن أجهزة الاستخبارات الأجنبية اخترقت الدولة بالكامل؛ فهذا استنتاج عسكري وتقني يحتاج إلى أدلة أوسع كثيرًا.
لكن الواقعة تمنح المصريين حق طرح أسئلة مشروعة: كيف تُؤمَّن اجتماعات كبار المسؤولين؟ من يملك حق تسجيلها؟ وكيف خرجت إلى العلن؟ وهل فُتح تحقيق لتحديد المسؤولية ومعالجة الثغرات، أم أن كل الجهد وُجّه إلى مطاردة المحتجين؟
حماية مصر من إسرائيل أو من أي تهديد خارجي لا تعتمد فقط على حجم الجيش والسلاح، بل تحتاج أيضًا إلى مؤسسات قوية، ومعلومات مؤمّنة، وثقة شعبية، وقيادة تقبل المساءلة. فالدولة التي تخشى سؤالًا أو مظاهرة أو قفلًا صغيرًا، ثم ترفض التحقيق العلني في تسريب يمس أعلى مستوياتها الدبلوماسية، تضعف نفسها من الداخل قبل أن يختبرها أي عدو من الخارج.
لقد أراد أنس حبيب بقفله أن يلفت الأنظار إلى أبواب رفح المغلقة، لكن رد فعل السلطة فتح بابًا آخر أكثر خطورة: باب التساؤل عن هشاشة المؤسسات، وأمن الاتصالات، وطبيعة الدولة التي تعتبر المواطن المنتقد عدوًا، بينما تترك أسئلتها الحقيقية بلا إجابة.
فالجمهورية لا تصبح «منتهكة» بسبب قفل على بوابة، وإنما حين تصبح مؤسساتها مكشوفة، وقراراتها مرتبكة، ولغتها أقرب إلى التهديد منها إلى الدبلوماسية، ثم تبحث عن هيبتها في الانتقام من مواطن أعزل.
شبكة رمضان الإخبارية.. ننقل الخبر بمهنية، ونفتح أبواب الرأي والنقاش، ونؤمن بأن قوة الدولة تبدأ من قوة مؤسساتها واحترامها للقانون وحق المواطن في السؤال والمساءلة.
شاهد فيديو قفل السفارة بالضغط على هذا الرابط
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار