الجمعة , 24 يوليو 2026

الملك فاروق.. هل كان «أجنبيًا» حقًا أم مصريًا من أسرة حكمت مصر 147 عامًا؟

فيينا – شبكة رمضان الإخبارية

تتردد منذ عقود مقولة تزعم أن الملك فاروق وأفراد أسرة محمد علي كانوا حكامًا أجانب، وأن جمال عبد الناصر كان «أول مصري يحكم مصر منذ عهد الفراعنة». ومع كثرة التكرار، تحولت العبارة لدى البعض إلى حقيقة تاريخية لا تقبل النقاش، رغم أنها تقوم على خلط واضح بين الأصل العرقي والانتماء الوطني والوضع القانوني للدولة في كل مرحلة تاريخية.

نعم، كان محمد علي باشا ألباني الأصل، وُلد عام 1769 في مدينة قولة، الواقعة حاليًا في اليونان، ووصل إلى مصر عام 1801 ضمن القوات العثمانية التي شاركت في إخراج الفرنسيين، قبل أن يتولى حكم البلاد عام 1805. هذه حقائق تاريخية لا خلاف عليها.

لكن هل تعني ولادته خارج مصر أن جميع أبنائه وأحفاده ظلوا «أجانب» إلى الأبد، حتى بعد مرور أجيال وولادتهم وإقامتهم وحكمهم ودفنهم في مصر؟

الجنسية الحديثة لم تكن موجودة

من الخطأ إسقاط قوانين الجنسية المعاصرة على أوائل القرن التاسع عشر؛ فلم تكن هناك آنذاك دولة مصرية مستقلة تصدر جوازات سفر وبطاقات هوية وفق المفهوم الحديث، بل كانت مصر ولاية عثمانية تتمتع لاحقًا بقدر متزايد من الاستقلال الفعلي.

لذلك لا يمكن القول إن محمد علي اكتسب الجنسية المصرية تلقائيًا بعد خمس سنوات من الإقامة، كما يحدث في بعض الدول الحديثة؛ فهذا النظام القانوني لم يكن قائمًا أصلًا. لكن يمكن القول إنه ارتبط بمصر سياسيًا وتاريخيًا، وجعلها مركز حكمه ومشروعه، وأسس فيها دولة حديثة وجيشًا وإدارة وصناعة وتعليمًا، وظل يحكمها حتى أواخر حياته.

أما أحفاده، فمن الصعب منطقيًا وصفهم جميعًا بالأجانب لمجرد أن جدهم الأكبر وُلد خارج البلاد. فالملك فاروق، على سبيل المثال، وُلد في القاهرة عام 1920 لأب وُلد في القاهرة، هو الملك فؤاد الأول، ومن أسرة أقامت في مصر وحكمتها لأجيال متعاقبة.

هل الأصل الأجنبي يُلغي الانتماء؟

لو كان أصل الجد البعيد كافيًا لنزع الانتماء الوطني عن الإنسان، لاضطررنا إلى اعتبار ملايين المواطنين في مختلف دول العالم «أجانب» داخل أوطانهم.

فالأمم الحديثة لم تتكون من سلالات عرقية نقية، بل من موجات بشرية وعائلات متعددة الأصول اندمجت بمرور الزمن في مجتمعاتها الجديدة. والانتماء الوطني لا يُقاس فقط بمكان ميلاد الجد الأول، وإنما بمكان الميلاد والإقامة والثقافة والجنسية والارتباط السياسي والاجتماعي بالدولة.

وعندما نتحدث عن أسرة محمد علي، ينبغي التمييز بين أمرين: أصول مؤسس الأسرة الألبانية العثمانية، والهوية المصرية التي اكتسبتها الأجيال اللاحقة قانونيًا وسياسيًا واجتماعيًا. الاعتراف بالأصل لا ينفي الانتماء، تمامًا كما أن الانتماء لا يمحو الأصل.

أسر أوروبا المالكة ليست «نقية الأصل»

التاريخ الأوروبي يقدم نماذج كثيرة لأسر ملكية تعود جذورها إلى دول أخرى، ومع ذلك لا ينزع عنها أحد صفتها الوطنية.

فالأسرة الملكية السويدية الحالية تنحدر من المارشال الفرنسي جان باتيست برنادوت، الذي اختاره البرلمان السويدي وليًا للعهد عام 1810، ثم أصبح ملكًا باسم كارل الرابع عشر يوهان. لم يعيّنه نابليون حاكمًا للسويد كما يقال أحيانًا، ومع ذلك لم يعد السويديون اليوم ملكهم كارل السادس عشر غوستاف «فرنسيًا».

أما الأسرة الملكية البلجيكية فتنتمي إلى بيت «ساكس-كوبرغ وغوتا» ذي الجذور الألمانية، وليست هولندية الأصل. والأسرة النرويجية الحالية ترتبط بأصول دنماركية، بينما تتشابك أنساب معظم البيوت المالكة الأوروبية عبر الحدود بصورة تجعل البحث عن «نقاء قومي» أمرًا عبثيًا.

وفي بريطانيا، غيّر الملك جورج الخامس اسم البيت الملكي من «ساكس-كوبرغ وغوتا» إلى «وندسور» عام 1917، أثناء الحرب العالمية الأولى وليس الثانية، بسبب تصاعد المشاعر المعادية لألمانيا. ورغم الجذور الألمانية المتعددة داخل الأسرة، لم يقل أحد إن الملكة إليزابيث الثانية لم تكن بريطانية. الموقع الرسمي للعائلة الملكية البريطانية

هل كان عبد الناصر أول حاكم مصري؟

لا يحتاج جمال عبد الناصر إلى أسطورة تاريخية كي تُناقش تجربته، سلبًا أو إيجابًا. كما أن تعظيم أي زعيم لا ينبغي أن يتم من خلال اختصار تاريخ مصر أو نزع المصرية عن كل من سبقه.

وحتى العبارة الشائعة بأن عبد الناصر كان أول مصري يحكم البلاد منذ الفراعنة تصطدم بحقائق عديدة؛ فمحمد نجيب سبقه إلى رئاسة الجمهورية بعد إلغاء الملكية، كما أن تحديد «مصرية» الحكام عبر آلاف السنين ليس مسألة بسيطة يمكن حسمها بشعار سياسي.

وُلد عبد الناصر في حي باكوس بالإسكندرية عام 1918، وتنحدر أسرته من قرية بني مر في أسيوط. وحتى لو صحت روايات انتساب بعض العائلات الصعيدية إلى قبائل عربية قديمة، فإن ذلك لا ينتقص ذرة واحدة من مصريته؛ لأن أصول الأجداد لا تلغي هوية الأحفاد. والمنطق نفسه يجب تطبيقه على غيره دون انتقائية.

بين تقييم الأسرة ونزع مصريتها

من حق أي مؤرخ أو مواطن أن ينتقد حكم أسرة محمد علي، وأن يناقش الاستبداد والضرائب والديون والتدخل الأجنبي والامتيازات الطبقية خلال العهد الملكي. ومن حقه كذلك أن يتحدث عن بناء الدولة الحديثة، وتأسيس الجيش، والتوسع الصناعي، وحفر قناة السويس، وإنشاء المؤسسات التعليمية والتشريعية.

لكن الخلاف حول سياسات الأسرة شيء، ونزع صفتها المصرية عن جميع أجيالها شيء آخر تمامًا.

فالملك فاروق لم يكن سائحًا أجنبيًا جاء ليحكم مصر ثم غادرها، بل كان ملكًا مصريًا ولد ونشأ في القاهرة، وحمل جنسية البلاد، وتولى عرشها وفق دستورها، ثم أُجبر على التنازل لابنه أحمد فؤاد الثاني، قبل رحيله إلى المنفى عام 1952.

الملك فاروق حاكم مصري من أسرة مصرية ذات أصول ألبانية عثمانية، تمامًا كما توجد أسر وطنية في العالم تعود جذورها البعيدة إلى بلدان أخرى. وهذه الحقيقة لا تعني تبرئة العهد الملكي من أخطائه، ولا تحويله إلى عصر مثالي، وإنما تعني احترام التاريخ ورفض إخضاعه للدعاية السياسية.

إنصاف الملك فاروق هنا ليس دفاعًا عن الملكية بقدر ما هو دفاع عن عقلانية قراءة تاريخ مصر. فالأوطان أكبر من الحكام، وتاريخها لا ينبغي أن يُختصر لرفع زعيم أو إسقاط آخر.

نستطيع أن نختلف حول محمد علي وفاروق وعبد الناصر، وأن نحاكم تجاربهم بصرامة، لكن لا يجوز أن نصنع مجد رجل عن طريق إفقار تاريخ وطن بأكمله.

الكاتب: رمضان إسماعيل

تحقق أيضًا

النووي مقابل التطبيع.. وترامب يتراجع عندما ترفض السعودية دفع الثمن!

فيينا – شبكة رمضان الإخبارية تراجع دونالد ترامب سريعًا عن فتح الباب أمام السعودية لدراسة …

error: Content is protected !!